القرطبي
42
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
يرى في المرآة ، واستحالة الذوق عند غلبة الصفراء ونحوها ، والدوي والطنين في الاذن ، والنطق سالم من ذلك ، ولا يعترض بالصدى لأنه لا يكون إلا بعد حصول الكلام من الناطق غير مشوب بما يشكل به . وقال بعض الحكماء : كما أن كل إنسان ينطق بنفسه ولا يمكنه أن ينطق بلسان غيره ، فكذلك كل إنسان يأكل رزقه ولا يمكنه أن يأكل رزق غيره . وقال الحسن : بلغني أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : ( قاتل الله أقواما أقسم لهم ربهم بنفسه ثم لم يصدقوه قال الله تعالى : ( فورب السماء والأرض إنه لحق ) . وقال الأصمعي : أقبلت ذات مرة من مسجد البصرة إذ طلع أعرابي جلف جاف على قعود له متقلدا سيفه وبيده قوسه ، فدنا وسلم وقال : ممن الرجل ؟ قلت من بني أصمع ، قال : أنت الأصمعي ؟ قلت : نعم . قال : ومن أين أقبلت ؟ قلت : من موضع يتلى فيه كلام الرحمن ، قال : وللرحمن كلام يتلوه الآدميون ؟ قلت : نعم ، قال : فاتل علي منه شيئا ، فقرأت ( والذاريات ذروا ) إلى قوله : ( وفي السماء رزقكم ) فقال : يا أصمعي حسبك ! ! ثم قام إلى ناقته فنحرها وقطعها بجلدها ، وقال : أعني على توزيعها ، ففرقناها على من أقبل وأدبر ، ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما ووضعهما تحت الرحل وولى نحو البادية وهو يقول : ( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) فمقت نفسي ولمتها ، ثم حججت مع الرشيد ، فبينما أنا أطوف إذا أنا بصوت رقيق ، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي وهو ناحل مصفر ، فسلم علي وأخذ بيدي وقال : أتل علي كلام الرحمن ، وأجلسني من وراء المقام فقرأت ( والذاريات ) حتى وصلت إلى قوله تعالى : ( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) فقال الأعرابي : لقد وجدنا ما وعدنا الرحمن حقا ، وقال : وهل غير هذا ؟ قلت : نعم ، يقول الله تبارك وتعالى : ( فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) قال فصاح الأعرابي وقال : يا سبحان الله ! من الذي أغضب الجليل حتى حلف ! ألم يصدقوه في قوله حتى ألجئوه إلى اليمين ؟ فقالها ثلاثا وخرجت بها نفسه . وقال يزيد بن مرثد : إن رجلا جاع بمكان ليس فيه شئ فقال : اللهم رزقك الذي وعدتني فأتني به ، فشبع وروي من غير طعام ولا شراب . وعن أبي سعيد الخدري قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو أن أحدكم